طباعة
الزيارات: 2077
بقلم الأستاذ محمد الأغظف ولد الداه 
(من مداخلة في ندوة بمهرجان وادان للمدن القديمة موريتانيا)
 
لا تزال ولاته كغيرها من المدن التاريخية الموريتانية(الموانئ الصحراوية)، تحتفظ ببعض الآثار الدالة على أصالتها الحضارية، تميزها عن نظيراتها في مجال العمران...فمتى ظهرت هذه المدينة؟ وهل لعبت دورا متميزا في التجارة الصحراوية التي كانت في وقت ما من دعامات اقتصاد حوض البحر المتوسط(مركز العالم القديم)؟ ومامدى تأثير هذه التجارة في تطور المدينة، ؟ وكيف انعكس هذا كله على تركيبة سكانها ومستوى حياتهم الاقتصادي والثقافي ، والفني؟ ومع مرور الزمن هل لا تزال هذه المدينة تحتفظ بما حققته من ازدهار؟ و هل ثمة إمكانية لاستعادة دورها التاريخي مع تغير الظروف والأحوال؟
أولا: النشأة والتسمية:

أ- التسمية
         تعتبر مدينة ولاته محطة رئيسية للتبادل التجاري بين السودان والشمال الإفريقي، فقد ورد ذكرها في كثير من المصادر التاريخية كعقدة لا مندوحة عنها للوصول إلي ذهب السودان وخيراته، وتعتبر استمرارا للموانئ الصحراوية الأقدم منها كأووداغست وكنبي صالح ، في الوقت الذي كانت فيه محطة مهمة لتصدير الملح إلى السودان، الأمر الذي ربطها بالمدن الأخرى التي تلعب تجارة الملح الدور الرئيسي في أنشطتها الاقتصادية كوادان و شنقيط  وتشيت.
إلا أن المصادر التاريخية، ذكرتها بأسماء متعددة (بيرو، إيولاتن، ولاتن، ولاته) وهذا يطرح إشكالا لا يمكن تخطيه إذ بدون استجلائه لا يمكن استخدام جميع النصوص التاريخية التي تتحدث عن المدينة لأن أكثر معلوماتنا عنها (ولاته) تعتمد بشكل مطلق علي هذه الأسماء، وهذا يحتاج لشيء من التدقيق والتمحيص ومقارعة هذه النصوص التاريخية التي وردت فيها هذه التسميات المختلفة ، فهل أن المركز واحد تعددت أسماؤه ؟ وهل هذا التعدد في الأسماء كان حسب فترات زمنية مختلفة؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل وراء تبدل الأسماء تغيير في تركيبة سكان المدينة العرقية ؟ وهل وراء هذا التبدل في الأسماء تغير في الهياكل السياسية والاجتماعية للمدينة؟ .
 من أهم النصوص التي تتحدثت عن المركز الحضري بالمنطقة:
1) ابن بطوطة (محمد) في النصف الأول من القرن 14م يذكره تحت اسم ( ايولاتن) وقد زارها أثناء رحلته إلى مالي.(1)
2) المقري ( احمد بن محمد ) النصف الثاني من القرن 14م وقد كان لأجداده شركة تجارية لها فرع في ولاتن ويسميها ايولاتن (نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب) (2)
3) ابن خلدون ( عبد الرحمن ) في القرن 14م يسميها ولاتن 
( العبر)(3)
4) ابن الحاج المتوكل ( محمود كعتي ) ((تاريخ الفتا ش)) في القرن 16م وهو من سكان منطقة تنبكتو الواقعة شرقي الحوض يسمي هذا المركز: بيرو. (لما دخل سني علي تنبكتو، خاف الناس فرجع كل لبلده الأصلي فرجع أهل بيرو إلى بير( 4)
5) أحمد بابا التنبكتي: في كتابه نيل الابتهاج، يذكر المركز باسم إيولاتن.(5)
(( الولاتي: لولاتة مدينة بالمغرب الأقصى قريبة من بلاد فلان السابقة بنحو عشرة أيام فيها قبيلة من العرب يقال لهم المحاجيب ويعبر عنها أعجام تلك الجهة بإيولاتن    ))  
6) السعدي ( عبد الرحمن ) وهو تنبكتي من كتاب القرن 18م يذكر هذا المركز تحت اسم ولاتن ، وتحت اسم بيرو رغم أن الحدث الذي أورد فيه الاسم واحد ، ويذكر قرية تازخت وهي في الوقت الحاضر أطلال قرية تبعد عن ولاته الحالية أزيد من إثنين كم تقريبا يقول (( عبد الله بن عمر بن محمد بن علي بن يحيى الصنهاجي المسوفي كان فقيها حافظا زاهدا ورعا وليا صالحا...درس في ولاتن وتوفي بها سنة 969 للهجرة )) (6) . ويقول أيضا (( كتب الفقيه محمود بن عمر لأخيه الفقيه عبد الله وهو في تازخت قرية قرب بيرو، فأمره أن يأتي لتنبكتو فكتب إليه أنه لا يأتيها وبقي في تازخت إلى أن توفي رحمه الله (7) ويقول (( عبد الله ولى لولا انه في قرية وقد بقي في تازخت حتى توفي فيها (8) ثم يقول ((وفي سنة 873 للهجرة دخل سن على تنبكتو  4 رجب الفرد في السنة الرابعة من توليه السلطنة وعاث فيها فسادا عظيما فحرقها وكسرها وقتل خلقا كثيرا ولما سمع أكل بمجيئه احضر ألف جمل ورحل فقهاء سنكرى عليها إلى بيرو ومشي فيهم الفقيه عمر بن محمد اقيت وأولاده الثلاثة المباركون الفقيه عبد الله والفقيه احمد وهو أكبرهم والفقيه محمود(9) 
7) البر تلي(الطالب محمد بن ابوبكر الصديق لولاتي المتوفى سنة 1229للهجرة، يذكر نفس الحدث الأخير مع تبديل اسم بيرو بولاته فيقول: 
(( عمر بن محمد إقيت رحل إلي  ولاته لمار حل إليها فقهاء سنكري من أجل خوفهم من الظالم الفاجر سني على لما دخل تنبكتو في 4 أو  5 رجب الفرد عام 873 للهجرة ورحل بأولاده الثلاثة الحاج احمد والفقيه عبد الله والفقيه محمود ... ثم رجع ابنه محمود من ولاته إلى تنبكتو سنة 885 للهجرة وأما ولده الفقيه عمر فلم يرجع عن ولاته حتى توفي فيها وكذا ابنه عبد الله لم يرجع وتوفي في تازخت )) (10)
8)صالح بن عد الوهاب : ولدفي ولاته ، و بها درس يقول (( أولاد يونس هم الذين خربوا قرية تازخت وتسميها العامة تيزغت...وهي غربي ولاته على نحو ميلين منها وكانت قرية علم ودين... وبعض صلحاء أهل ولاته يزورون قبور صلحائها، وفيهم العلامة الإمام الولي عبد الله بن عمر بن محمد إقيت(11)
9) الشيخ سيد محمد الكنتي  : وهو من المنطقة يقول (( فتح عقبة بن نافع بيرو المدعوة الآن بولاته وخلف ابنه العاقب بها وقبره بصحن مسجدها)) (12) وأهل ولاته دارجون على هذه الرواية ويؤكدون وجود هذا القبر الذي اختفت معالمه بفعل التغييرات التي طرأت على المسجد بعد سقوطه. والذي نستطيع استنتاجه من خلال ما أوحت به مختلف هذه النصوص هو :
 ا- أن هناك تقاربا بين الأسماء الثلاثة (ايولاتن، ولاتن،ولاته)* /الأمر الذي يطرح فرضية أن الأسماء، الثلاثة قد تكون لمسمي واحد دخل عليه شيء من التحوير بمرور الزمن .
ب- إن السياق الذي وردت فيه المسميات المختلفة يدل على أن المقصود به أهم مركز حضري في المنطقة ، بل وابعد من ذلك فإن هذا المركز الحضري ورغم تعدد الأسماء يكاد يكون محصورا في رقعة جغرافية ضيقة، أي في مسافة طولها 3كم من تازخت حتى مدينة ولاته الحالية وأحوازها، وهنا الأمر يحتاج إلى تنقيبات أثرية، خاصة إذا علمنا أن السيول الجارفة سنة 1967م كشفت عن الكثير من البنايات في أحواز المدينة،  ثم إن إيولاتن بلغة الطوارق معناها (طرف الجبل) منحدر الجبل ، والشريط المذكور يقع في منحدر جبلي .
ج - إن معظم المخطوطات التي اطلعنا عليها في ولاته تؤكد أن بيرو كانت اسما قديما لولاته مثلا فتح الشكور(12)( مخطوط) ومنح الرب الغفور فيما أهمله فتح الشكور(مخطوط)(13)للطالب ابوبكر المحجوبي ألولاتي، والغلاوية للشيخ سيد محمد الكنتي.... وإذا صح أن بيرو هي ولاته الحالية مع أن سكان المدينة يؤكدون على أن بيرو تقع شرقي المدينة (ولاته) الحالية، فان صاحب تاريخ السودان يسميها بيرو إذا تحدث عن السودان، ويسميها ولاتن إذا كان الحديث عن البيض (14)ومن هنا نستطع (وحتى تقوم أبحاث أثرية  تؤكد صحة هذا الافتراض )أن نعتبر  أن ولاته الحالية استمرار لهذا المركز الحضري الذي تعددت أسماؤه، وسواء كان هذا المركز هو ولاته الحالية، أو بنيت في ضواحيه.
ونستخلص من هذا أن الاختلاف في التسمية يمكن أن يكون نتيجة التغير الذي طرأ على البنية السكانية وتركيبها العرقي ، نتيجة الهجرة المستمرة إلى هذا المركز من طرف البيض، وهجرة السود منه وخصوصا بعد سقوط غانا النهائي على يد الصوصو (1024م) (15) وسيطرت (الطوارق) على المنطقة 
فضلا عن عوامل أخري كانتشار الإسلام والتصحر، هذه العوامل وغيرها أثرت في الهياكل السياسية والاجتماعية والديمغرافية والعرقية في المدينة ، وقد تكون أثرت في موقعها، ولا ننسي أن العوامل الطبيعية والموضعية قد تساهم في ذلك ، وقد أخذ المركز اسم ولاته بعد أن أصبحت قيادته للمحاجيب والجدير بالملاحظة أني قد اطلعت ميدانيا على أسماء العلماء الواردة في النصوص ، في مقابر ولاته الحالية ومقابر تازخت ، وحسب ما ورد في تاريخ الفتاش ونيل الابتهاج، وتاريخ السودان وفتح الشكور (مع ورود اسم بيرو، ولاتن، ولاته للمكان الذي هاجر إليه علماء تنبكتو فرارا من سني علي) الأمر الذي يسمح باستخدام كل النصوص التي وردت فيها هذه التسميات (بيرو=إيولاتن=ولاتن=ولاته)
ب- نشأة ولاته وتطورها:
إن الآراء متضاربة حول تاريخ نشأة ولاته ، ويذكر الطالب بوبكر بن احمد المصطفي المحجوبي في كتابه منح الرب الغفور (16) أنها بنيت قبل الإسلام، وأن يحيى الكامل جد المحاجيب (أولاد الفقيه عثمان) وصلها في القرن الثاني الهجري.  وانه أخرج أهلها الوثنيين بالقهر الرباني والفتح الصمداني، فصارت ملكا له ولبنيه ويشير إلى ذلك محمد الديسفي في قصيدته الشهيرة التي أصل فيها لمختلف مكونات قبيلة المحاجيب لما زارهم في القرن التاسع للهجرة
ويحيى به أحيا الإلــــــــــه بلاده           وكانت على عهد المجوس ذوي الكفر
فأضحت على عهد الإلــــه ودينه            سواكنها وكل من كان في القــــــصر
ويذكر الشيخ سيد محمد الكنتي أن فتحها تم على يد عقبة بن نافع الفهري وان ابنه العاقب تخلف فيها إلي أن توفي ودفن بصحن مسجدها ،  (17)
ومن المتداول عند أهل ولاته أن القبر الذي بصحن المسجد قبر تابعي ، وينقل المرواني بن الطالب عبد الله النفاع ألولاتي عن أبي الحسن الصغير من شرحه لاختصار البراد عي للمدونة، أن عقبة بن نافع هو الذي فتحها  و بنى مسجدها (18)،
ويشير الشاعر الولاتي محمد المختار ولد محمد يحيى لقدم هذا المسجد بقوله:
وكان أبا المساجد في الصحاري                            مساجدها طرا له بنات
بمرصــــــــــــوص البناء بناه بان      له جدر عظام راســيات
وأحجار وطيــــــــن مثـــــل جير                         كذا خشب عراض راسيات
وكانت هذه المدينة تابعة لإمبراطورية غانا وعندما ما سقطت غانا بيد الصوصو هاجرت إليها الجاليات العربية التي كانت في غانا بزعامة الشيخ إسماعيل(19) وتحول إليها مركز الثقل الاقتصادي والثقافي وأصبحت فيها جاليات عربية كبيرة  وصنهاجية وفي سنة 1412م كانت مدينة القوافل التجارية الأولى، وقد كانت فيها ممثليه لشركة المقري إخوان التجارية ، يقول المقري:
(( ولدٌ يحي الذين أحدهم أبوبكر خمسة عقدوا الشركة بينهم فيما ملكوه أو يملكوه على السواء بينهم والاعتدال وكان ابوبكر ومحمد ...بتلمسان ، وعبد الرحمن بسجلماسة ، وعبد الواحد وعلي في إيولاتن )) (20)
ويؤكد هذا الازدهار قول ابن خلدون عند كلامه عن سجلماسه حيث يقول ومنها يذهب الركاب إلي ولاتن )) (21) .
وكانت تابعة لمملكة مالي بعد توسعها ، فقد أخضعها سندياتا كيتا دون قتال احتراما للعلماء المقيمين فيها(22). 
ومن خلال النصوص التي تحدثت عن ولاته نستطيع أن نستشف على الأقل قدمها، وأنها شهدت ازدهارا كبيرا اقتصاديا وثقافيا، الأمر الذي يجعلها في مقدمة المدن التي شاركت في التجارة الصحراوية مشاركة فعالة، وبالتالي لها ماض عريق طبعها بطابع خاص ومتميز ، إلا أن ازدهارها اعتراه الانحسار عندما وقع تحول في الطرق التجارية، فبدأت تيمبكتو تأخذ مكانتها يقول السعدي(فانتقلت العمارة شيئا فشيئا من بيرو إلى تنبكتو، فكانت عمارة تنبكتو خراب بيرو )(23) وهذا التحول في الطرق التجارية هو الذي يفسر التحول في المركز الإداري الإفريقي للمنطقة (من غانا، إلي مالي أي من يني إلى غاوه) إلا أن ولاته مع ذلك لم تمت نهائيا بل ظلت حية لوقوعها في طريق الممالح (تغازي،تاودني،تنيولك، سبخة الجل) وارتبطت بالطريق الشرقي، إذ بدأت تتصل بتنبكتو مباشرة ، ومعلوم أن هذه المدن تعيش من هذه الحركة التجارية بالدرجة الأولي ، كما أن مادة الملح تعتبر مادة ضرورية بالنسبة للسودان (24)، 
و بوقوعها على طريق هذه السلعة حافظت على  درجة معينة من الحياة ، وإن كانت أقل من السابق. وهذا التدهور النسبي الذي عرفته المدينة ظل يزداد تدريجيا ليبلغ أوجه بعد استفحال تأثير المراكز الأوربية على الساحل، وسقوط التجارة الصحراوية لتحل محلها التجارة المحيطية (بعد تحول الثقل التجاري من البحر الأبيض إلى المحيط الأطلسي ) ، (25)وطوال هذه الفترة ظلت المدينة تشع حضاريا وثقافيا على محيطها القريب والبعيد.