من نشاطات المركز: مئوية الولاتي

بمناسبة شهر رمضان المبارك

ننشر بإذن الله على فقرات متسلسلة باب الصوم وشرحه

من كتاب"العروة الوثقى على منبع الحق والتقى" للفقيه محمد يحيى الولاتي،

ويتميز هذا النص بحرص المؤلف - رحمه الله- فيه على تأصيل الأحكام التي يوردها.

النص:

وللهرم العاجز عن الصوم أصلا والحاملِ والمرضعِ، الفطرُ مع الفدية إطعام مسكين بمد النبي صلى الله عليه وسلم عن كل يوم ولا قضاء. والراجح أن على الحامل والمرضع القضاء، وهو على التراخي، ولا بأس بتفريقه، وتتابعُه أفضل، وقيل واجبٌ. ومن فرَّط فيه حتى دخل رمضان الثاني أطعم مع القضاء عن كل يوم مسكينا بمد النبي صلى الله عليه وسلم.

الشرح:

(وللهرم) أي الكبير جدا من رجل أو امرأة (العاجز عن الصوم أصلا) أي في كل زمن (و) المرأة (الحامل و) المرأة (المرضع) أي التي ترضع ولدها (الفطرُ) في رمضان (مع الفدية) ندبا، وهي (إطعام مسكين بمد النبي صلى الله عليه وسلم عن كل يوم) عند القضاء.

أما الهرم فلِما أخرجه مالك في الموطإ عن أنس أنه كبر حتى كان لا يقدر على الصيام فكان يفتدي. وأما الحامل فلِما في الموطإ أيضا أنّ ابن عمر سئل عن الحامل إذا خافت على ولدها واشتدّ عليها الصيام قال: تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكينا من حنطةٍ بمدِّ النبي صلى الله عليه وسلم.

وأما المرضع فلما أخرجه البيهقي وأبو داود بإسناد حسن عن ابن عباس في قوله تعالى: وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين أنه نسخ إلا في حق الحامل والمرضع. وروي عن ابن عباس في الآية أيضا أنها محكمة في الشيخ الكبير العجوز الهرم قاله في الإرشاد، وروي عن ابن عمر أنها محكمة فيها أيضا. وفي كشف الغمة: كان صلى الله عليه وسلم يرخص في الفطر للمريض والشيخ والعجوز والحامل والمرضع، وقال صلى الله عليه وسلم: إنّ الله قد وضع عن الحامل والمرضع الصوم، وكان ابن عباس يقول في قوله تعالى:{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}[البقرة:184]: كان من أراد أن يفطر في رمضان ويفتدي فعل، حتى نزل قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}[البقرة:185] فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح إذا لم يكن حاملا ولا مرضعا ورخّص فيه للمريض والمسافر وأثبت الإطعام للحامل والمرضع والكبير الذي لا يقدر على الصيام من الرجال والنساء فيطعم كل منهم مكان كل يوم مسكينا.

(ولا قضاء) على الجميع مع الفدية لحديث أنس في الهرم أنه يفتدي فقط كما تقدّم عن الموطأ. ولحديث ابن عباس عند البيهقي في الحامل والمرضع أنّ عليهما الفدية فقط، واستدلّ على ذلك بقوله تعالى:{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}[البقرة:184] وقال: إنها محكمة فيهما. وفي رواية عنه إنها محكمة في الهرم معهما أيضا، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله قد وضع عن الحامل والمرضع الصوم» كما في كشف الغمة، وهو رواية شاذة عن مالك في الحامل والمرضع نقلها ابن عبد البر وعياض أنّ على الحامل والمرضع الفدية فقط ولا قضاء عليهما . وأما الهرم فمشهور مذهب مالك أن ليس عليه إلا الفدية.

(والراجح) عند جمهور العلماء (أنّ على الحامل والمرضع القضاء) أي قضاء رمضان، والأصل في وجوبه عليهما الأمر الأول الوارد بوجوب صوم رمضان وهو قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}[البقرة:185]، قالوا: لأنه يستلزم وجوب القضاء عند زوال العذر، وأما الفدية فالراجح نفيها عن الحامل لأنها مريضة حكما فهي داخلة في قوله تعالى:{فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}[البقرة:184]. قال مالك في الموطإ: وأهل العلم يرون على الحامل القضاء فقط بلا إطعام خلافا لابن عمر، ويرون ذلك -أي الحمل- مرضا من الأمراض مع الخوف على ولدها. قال ابن عبد الباقي: بخلاف المرضع الخائفة على ولدها فتقضي وتطعم وهذا هو المشهور من أقوال مالك، وجزم ابن عبد البر بأن الحامل تطعم مع القضاء وعزاه لطائفة منهم مالك في قول، وثالث أقواله: يطعمان ولا قضاء عليهما.

(وهو) أي القضاء واجب (على التراخي) لا على الفور لحديث عائشة في الموطأ والصحيحين والسنن قالت: كان يكون عليّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان، قال يحيى: الشغل من النبي صلى الله عليه وسلم هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: فما نقدر أن نقضيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يأتي شعبان فحذف لفظ "قال يحيى...إلخ". قال في الإرشاد: فهو نص في كونه من قولها. قال في اللامع: وفيه نظر لأنه ليس فيه تصريح بأنه من قولها فالاحتمال باق. ومعنى شغلها بالنبي صلى الله عليه وسلم أنها تتوقع حاجته فيها، وأما في شعبان فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه فتتفرّغ عائشة فيه لقضاء صومها، وفي هذا دليل واضح على أنّ قضاء رمضان واجب في جميع العام على التراخي وهو قول الجمهور والله أعلم.

ويدل له أيضا ما رواه الترمذي وابن خزيمة عن عائشة قالت: ما قضيت مما يكون عليّ من رمضان إلاّ في شعبان حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم.

(ولابأس بتفريقه) أي قضاء رمضان لما أخرجه البخاري عن ابن عباس معلقا ولفظه: وقال ابن عباس: لا بأس أن يفرق –أي قضاء رمضان- لقوله تعالى:{فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}، وأخرج عبد الرزاق أثر ابن عباس هذا متصلا عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس فيمن عليه قضاء رمضان قال: يقضيه مفرقا قال تعالى:{فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}، وأخرج الدارقطني من وجه آخر عن معمر بسنده قال: صُمْه كيف شئت أي مفرقا أو متتابعا، وقال عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء أن ابن عباس وأبا هريرة قالا: فرقه إذا أحصيته، انتهى من الفتح. وفي الدارقطني بإسناد ضعيف أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن قضاء رمضان فقال: إن شاء فرّقه وإن شاء تابعه.

(وتتابعه أفضل) أي مستحب لقول عائشة: نزلت (فعدة من أيام أخر متتابعات) ثم سقطت متتابعات أي نسخت أي نسخ الوجوب وبقي الاستحباب، وهذا هو مذهب الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة.

(وقيل) تتابعه أي قضاء رمضان (واجب) لما أخرجه مالك في الموطإ عن نافع أنّ ابن عمر يقول بصوم قضاء رمضان متتابعا من أفطره من مرض أو في سفر.

قال في الفتح: ونقل ابن المنذر وغيره عن عائشة وعليّ وجوب التتابع وهو قول بعض أهل الظاهر وروى عبد الرزاق عن ابن عمر أنه يقضيه متتابعا اهـ، وقال به من التابعين الحسن والشعبي والله أعلم.

(ومن فرط فيه) أي في قضاء رمضان (حتى دخل) عليه (رمضان الثاني أطعم مع القضاء عن كل يوم مسكينا بمد) يعطيه إياه وجوبا، وهو مدّ النبي صلى الله عليه وسلم لما أخرجه البخاري عن أبي هريرة وابن عباس معلقا ولفظه: ويذكر عن أبي هريرة مرسلا وابن عباس أنه يطعم.

أما أثر أبي هريرة فقد أخرجه عبد الرزاق عنه متصلا وأخرجه الدارقطني مرفوعا من طريق مجاهد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وأما أثر ابن عباس فقد أخرجه سعيد بن منصور والدارقطني متصلا، قال في الإرشاد: ورد عن جماعة من الصحابة وجوب الإطعام على المفرط في قضاء رمضان حتى دخل عليه الثاني منهم أبو هريرة وابن عباس كما مرّ وعمر بن الخطاب فيما ذكره عبد الرزاق وهو قول الجمهور خلافا للحنفية. قال الماوردي: وقد أفتى بالإطعام ستة من الصحابة ولا مخالف لهم.